مؤسسة الإمام الهادي ( ع )

31

دعاء الندبة وتوثيقه من الكتاب والسنة

فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر صلى الله عليه وآله ، فإنّ فيه اسوةً لمن تأسّى ، وعزاءً لمن تعزّى ، وأحبُّ العباد إلى اللَّه المتأسّي بنبيّه والمقتصّ لأثره ، قَضَمَ « 1 » الدنيا قضماً ، ولم يُعِرها طرفاً ، أهضَمُ أهل الدنيا كشحاً « 2 » ، وأخمصُهم « 3 » من الدنيا بطناً . عُرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها . وعلم أنّ اللَّه سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه ، وحقّر شيئاً فحقّره ، وصغّر شيئاً فصغّره . ولو لم يكن فينا إلّاحبُّنا ما أبغض اللَّه ورسوله وتعظيمنا ما صغّر اللَّه ورسوله لكفى به شقاقاً للَّه‌ومحادّةً عن أمر اللَّه . ولقد كان صلى الله عليه وآله يأكل على الأرض ، ويجلس جِلسة العبد ، ويخصف بيده نعله ، ويرقع بيده ثوبه ، ويركب الحمار العاري « 4 » ويُردف خلفه . ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه التصاوير فيقول : يا فلانة - لإحدى أزواجه - غيّبيه عنّي فإنّي إذا نظرتُ إليه ذكرت الدنيا وزخارفها . فأعرض عن الدنيا بقلبه ، وأمات ذكرها من نفسه ، وأحبّ أن تغيب زينتُها عن عينه ، لكيلا يتّخذ منها رياشا « 5 » ، ولا يعتقدها قراراً ، ولا يرجوَ فيها مُقاماً ، فأخرجها من النفس ، وأشخصها عن القلب ، وغيّبها عن البصر . وكذلك من أبغض شيئاً أبغض أن ينظر إليه وأن يُذكر عنده ، ولقد كان في رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ما يدلّك على مساوئ الدنيا وعيوبها ،

--> ( 1 ) - القَضم : الأكل بأطراف الأسنان . ( النهاية : 4 / 77 ) . . ( 2 ) - الكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف . ( الصحاح : 1 / 399 ) . . ( 3 ) - خِماص البطون : أي ضامري البطون من أكلها . ( النهاية : 2 / 80 ) . . ( 4 ) - الحمار العاري : ما ليس عليه بردعة ولا إكاف . ( هامش المصدر ) . . ( 5 ) - الرياش : اللباس الفاخر . ( الصحاح : 3 / 1008 ) . .